
على أعتاب غزة
آل الحية.. "معذرتي"
هالني المشهد!
لم ألحظ في تلك الغرفة المُجردة من منعمات الحياة إلا ذلك الجسد المُلتوي..
يرقد على فراشٍ منزو بجوار النافذة.. في محاولة مضنية للتواصل مع عقله المسلوب ومع تلك الأجساد المتراصة من حوله، متلهفة في أنين صامت.
في زيارة خاطفة لمستشفى العريش أثناء عودتي من غزة إلى القاهرة، وجدت الشاب القسامي عماد الحية يصارع الخيالات على فراش المرض، وفي رفقته اثنان من أهله، ظننتهما عند بادئ الأمر أخويه.
انشغلت بعماد عن أخويه، لما أصابني من ألم جسدي عند رؤيته، زلزلني جسدي ألما وأنا واقفة أمامه أبحث عنه، شعرت بدوار عنيف وألم حاد في رأسي، انقبضت مني عضلة ما في القلب، عاجزة عن التواصل مع إشارات المخ لأتفوه بأي حرف.
آلام عماد
في التو قد عدت من غزة، وودعت أمثاله من القساميين، فتية في مقتبل العمر، ذوو أجساد مفتولة وعقول واعية ونفوس قوية، كان يوما فيهم.. كان معهم.. أين هو اليوم من أيامه الماضية.
الفتى في أوائل العشرينات من عمره، أصابته القذيفة في أعصاب المخ، مع تدميرها لكثير من أعضاء جسده، أدت إصابته في المخ إلى هذا المشهد الذي أرقبه أمام عيني، تحول الفتى القسامي المجاهد إلى هيكل إنسان يصارع الخيالات ولا يتفوه إلا بالهلاوس وخربشات الكلم.
جاهدت جسدي كي أنطق، لعله يسمعني:
"كيف حالك يا عماد؟".
"بدي آكل".
"ألم تأكل بعد؟" (والطعام في فمه).
"لا.. اتركي قدمي!".
"لم أمس قدمك أخي، لمَ أنت هنا؟".
فإذا به يعود إلينا: "كنت أرابط.. بيجولوا عليّ مجرم!".
أكدت له: "لا أخي.. أنت بطل..".
عاد إلى المستقبل: "وسأستشهد؟"، وإلى الخيال: "وتستشهد المدام؟".
واستمر في عالمه: "أبويا استشهد والمدام استشهدت".
حزنت لحاله، فتدخل أخوه حمزة الحية وشرح لي: "هو ليس متزوجا، ولكنه يهلوس".
وسأله أحد أخويه: "بعد ما تطيب هتعود تاني تضرب في اليهود؟".
تبسم عماد أخيرا: "آآآآه... أضربهم بعبوة... مراتي استشهدت.. هتشفع لي؟".
وتداخلت الأزمنة في كلماته مع آلامه وأحلامه وأوهامه، فازداد ذهولي أن الحقيقة الوحيدة التي ينطق بها هي تمسكه بالشهادة والشفاعة!!!!!!! غير هذا، فهو في عالم آخر.
شرح لنا حمزة أخوهم الثالث مأساة عماد؛ أصيب الفتى منذ ستة أشهر إثر ضربة من طائرة إسرائيلية، فاستشهد زميل له وتوقف هو عن الحياة! أصيب في يده وقدمه ومخه، كُسرت الجمجمة وتسبب الكسر في نزيف ضاغط على أعصاب المخ، أجريت له جراحة في غزة قام فيها الجراحون بنزع العظمة المكسورة من المخ وتخزينها في أمعائه!!!!!!
تصورت الألم!سبقه بشهر واحد اجتماع عائلة الحية للتسامر في "ديوان آل الحية"، قُصف الديوان بما فيه من صغار وكبار، استشهد أبو عماد وأخوه وعمه وثلاثة من أبناء عمه وابن عم أبيه، وأصيب حينها اثنان من إخوته وابن عمته.
توقفت عند وصف حمزة الحية لديوان العائلة، ما زال للقوم ديوان ودوار يجمعهم، ونحن هنا نناطح الأشجار بعبواتنا الحجرية، ما هذا الزمن الجميل الذي ما زالوا يعيشونه رغم الغارات والزلازل؟!
ما هذا الدفء الأسري الذي ما زال يربطهم رغم المحارق والمآسي؟! نسيناه يا عرب؟
عدت أستمع إلى حوار حمزة مع رفيقة رحلتي وأنا أقف أمام سرير عماد، عيني ترقبه لا تحيد عنه، شكا حمزة إلينا أنهم محبوسون في العريش منذ خمسة أيام، وكانوا قد دخلوا مصر عند بداية فتح المعبر وتوجهوا إلى مستشفى رفح المركزي، حيث أكد لهم الأطباء أن عماد في حاجة إلى رنين مغناطيسي وهو غير متواجد برفح أو العريش، ورغم هذا أخبرهم مدير المستشفى أنه "ممنوع منعا باتا" ذهاب أي فلسطيني إلى القاهرة.
فتركوا رفح وعادوا إلى ديارهم بمنطقة الشجاعية على الخط الشرقي لغزة، ثم أعادوا المحاولة قبل أن نقابلهم بخمسة أيام، يوم الإثنين 28 من يناير 2008 وصلوا إلى العريش وظلوا بها في انتظار للمجهول كما حدثنا حمزة.
عند عودتي إلى القاهرة، ظللت أتابع حالة حمزة جهد طاقتي، تزاحمت عليّ الواجبات، وانشغلت بعموم أهل غزة وحالهم عن التواصل الشخصي مع الكثير من الإخوة والأحبة هناك.
رحت أكتب وأحاضر وأبحث عن حلول، لم أنم ليلي منذ أن عدت، بحثت لعماد عن جراح مخ وأعصاب على أمل أن يذهب إليهم في العريش، لم يسعفني أحدهم بالذهاب.
عرفت أن أحد الأطباء المصريين فحص عماد وكتب له دواء، وأخبرهم أنه لا يحتاج إلى جراحة، لم يطمئن قلبي ولكن لم أستطع أن أفعل شيئا.
لا أستطيع أن أدخلهم القاهرة، ولم أجد من يذهب إليهم، عادوا إلى غزة وظللت أتابع أخبارهم عن بعد، دأبت رفيقتي على التواصل مع حمزة خاصة لمتابعة حالة عماد، وكنت أتابع منها الأخبار، وأوجهها لبعض الأفكار لتقترحها عليهم، وأعود وينشغل وقتي فيهم عنهم، وأقول لنفسي: غدا أتصل بهم، المهم أن أفعل لهم ولغزة، أهم من التواصل والحديث، فالأوقات أقل كثيرا من الواجبات.
ذات صباح
صباح ما، في أسبوعي الماضي، أشارت إلىّ زميلتي لأنظر إلى شاشة حاسوبها الآلي.. أنظر.. أقرأ.. استشهاد القائد الميداني مسئول الوحدة المدفعية في كتيبة الشجاعية حمزة الحية ابن الدكتور خليل الحية القيادي بحركة حماس.
أصمت.. أحزن.. أبكي...
هو ليس أخا عماد، بل ابن عمه.. لم ألحظ لشدة الترابط..
هو ليس فتى فلسطينيا يرافق جريح العائلة.. هو قائد ميداني ومجاهد هو الآخر..
هو لم يسبقني إلى الأربعينات كما نطقت ملامحه، بل هو أيضا في أوائل العشرينات!
نخرج أنا ورفيقاتي في العشية.. نتوجه إلى ميدان محمود بالقاهرة.. نُعلي لافتات الاعتراض الحزين.. نضيء الشمع من أجل غزة.. نرفع علم فلسطين في وقفة نسائية صامتة.. نسأل الله القبول، نرجو من المارة الانتباه.. ننعى حمزة وأهله ورفاقه، ندين الصمت العربي، نئن صامتات على صدر الوطن..
في ليل القاهرة أضأنا الشموع من أجل غزةأيها الوطن العربي الصامت، إخوتك بفلسطين يرحلون عنك ويفوتك أن تسجل عندهم طلب الشفاعة.. أيها الوطن المصري الساخر من آلامك، ابنتك سماح تُقصف أمام عينيك على حدود سيادتك، فتوقف عن نحيبك الساخر وأيقظ سلاحك.. "خلي السلاح صاحي.." يا مصري.. أتذكر؟
تتساقط دمعات شمعتي على كفي، فأستشعر لهيبها.. أتألم بدايةً.. يستمر الذوبان، فلا أعبأ.. يكسو يدي قفاز من الشمع الدافئ.. أهلوس لنفسي أنه في سبيل الله، وأني على درب الجهاد.. يزداد الدفء في يدي، فأذهل لاستمتاعي به.. ألمحه من بين دمعاتي المتحجرة وأنا أرفع بيدي الأخرى لافتة: "لا لحصار غزة".
أبكي رحيل حمزة.. ليس ألما على فراقه، ولكن خوفا أن تكون الفرصة قد فاتتني لأستأذنه الشفاعة يوم الدين..
أيها الشهيد الحي، أتسمعني؟
أستأذنك الشفاعة يوم العرض..
لك سبعون من أهلك..
أدرجني فيهم..
لا حاجة لكل آل الحية بشفاعتك..
فأنت الثامن، ولكل منكم سبعون..
أعرف.. قصرت في التواصل.. انشغلت بكم عنك..
معذرة.. تقبل اعتذاري..
آل الحية.. اعذروا طلبي.. ...
نقلا عن موقع إسلام اون لاين
هناك تعليقان (٢):
�� ��������� ������� � ����ѿ����������������������
المدونين الشرفاء من هذا الوطن يعلنون غضبهم علي الاحكام الهزلية
كل المدونات والمواقع والمنتديات التى ترفض الذل والاستبداد والخنوع وتكبيل الايادى وتكتيم الافواه ... اعلنوها معنا بافواه تملأها العزه ... نحن معكم يا شرفاء مصر الاحرار ... نرفض الظلم الواقع عليكم .. لذلك سنعلن الحداد فى مدوناتنا وسنسودها باللون الاسود تعبيرا عن الظلم فى مصر ولا عزاء للحريه والديمقراطية التى يتشدق بها رئيسنا .. اطلب الكود من المدونة
مدونة قلم رصاص
http://pencil1.blogspot.com
أو مدونة قلب أبيض
http://w-7eart.blogspot.com
وحسبنا الله ونعم الوكيل
إرسال تعليق