
السيدة الإنجليزية الوقور صاحبة خصلات الشعر الأبيض والمظهر النبيل، والتي قابلها الكاتب النمساوي الأشهر "إستيفان زوفايج" في فندق منعزل من فنادق الريفييرا.. كان سؤالها - على بساطته - يحمل دلالات موحية.. هل تعتقد أن 24 ساعة تكفي لتغير حياة امرأة بالكامل؟لحظة تغير حياتك.. تغيّرها إلى الأبد، لحظة تتصادم فيها سيارتان فتجد نفسك قعيدا بعدها، لحظة غضب تتحول فيها دماؤك إلى نابلم مشتعل.. تجتاحك مشاعر بدائية وغضب.. دقق في عيون المجرمين على صفحات الجرائد تجد النظرة البدائية.. مشاجرة بين شابين على فتاة لا تعبأ بكليهما.. صبي استفزه هدف لم يحتسب في مباراة كرة شراب.. عاطل قتل من أجل عشرة جنيهات لم يردها صديقه.. زوج استفزته زوجته حين رفضت إعداد الشاي.. كلهم ليسوا مجرمين بالفطرة، ولكن المشكلة كانت في اللحظة.
أسوأ مخاوفك يمكن أن تحدث في لحظة.. طفل يلهو في الشارع فتدهمه سيارة.. شاب نشأ على طاعة الله فقد توازنه مع امرأة متساهلة.. زلزال ضرب مدينة كاملة فأزالها من الوجود.. بناية تنهار على رءوس من تصادف مرورهم تحتها.
أشياء كثيرة يمكن أن تحدث بسبب لحظة واحدة، ولكن دعونا نعود للقصة!!
للأيدي وجوه كثيرة
في رواية "24 ساعة في حياة امرأة" حكت السيدة قصتها بالكامل.. كانت تنشد في اعترافها ما يبدد شقاء 20 سنة لتنال الغفران الذي تنشده.
يداه هي أول ما جعلها تهتم به، هكذا تحكي السيدة الوقور، في ذلك اليوم منذ أكثر من عشرين عاما كانت في كازينو مونت كارلو تتسلى بمراقبة المقامرين.. تذكر أن زوجها الراحل قال لها: "إن الأيدي أفصح في التعبير عن مكنونات النفس من قسمات الوجوه، فأكثر المغامرين يتعلمون التحكم في ملامحهم، ويحرصون على ألا تتألق عيونهم ببريق الانفعال.. لكنهم ينسون التحكم في أيديهم".
من ذلك الحين تعلمت أن للأيدي وجوها كثيرة.. بعضها شاحب وبعضها كالمخلب.. بعضها متراخ وبعضها مرتجف.. بعضها رطب ككلاب البحر وبعضها متوتر كجياد السباق، لكنها - على طول ما درست من الأيدي - لم تشاهد يدين تنطويان على حساسية وقوة تعبير كهاتين اليدين.. كل عضلة فيهما أشبه بفم يتكلم، كسمكتين ميتتين لفظهما البحر إلى الشاطئ.. كحيوانين سقطا برصاصة واحدة.
حتى هذه اللحظة لم تكن قد شاهدت وجهه، كان يحمل طابع الرقة والحساسية المفرطة لشاب يناهز 24، لولا جشع حيواني يشوه الوجه الجميل.. لمدة ساعة ظلت تراقبه كما لو كان نوّمها مغناطيسيا.. كل مراحل الخسارة والربح والقلق والأمل كانت تنعكس فورا على وجهه ويديه، حتى جاءت اللحظة الرهيبة، واندفعت يداه المتشنجتان إلى الأمام، ثم سقطتا على المائدة سقوط جسم فقد الحياة، فأدركت - فيما يشبه اليقين - أن هذا الشاب قامر بآخر ما يملك، بحياته ذاتها، وأنه في سبيله للانتحار كمنكوب آخر من ضحايا المائدة الخضراء.
كالمسحورة تابعته وهو يترنح، راقبته وهو ينهار على مقعد في الحديقة كجثة خالية من الحياة.. وحتى حينما أمطرت السماء وكأنها قرب مفتوحة الأفواه لم يتحرك من مقعده.. كان يتنازعها عامل النجدة الذي يحفزها إلى المساعدة، وعامل الحياء الغريزي الذي يقعدها عن التحدث إلى شاب غريب.. لكنها حسمت ترددها وجرته من يده، وهو ينظر إليها في بطء وغباء.
المدينة الملعونة
أسعدها أنها وجدت لحياتها هدفا.. منذ وفاة زوجها فجأة بعد مرض قصير صارت وحيدة تماما، تتنقل من مدينة لمدينة وكأنها في فرار متواصل، حتى انتهى بها المطاف إلى مونت كارلو.. ذهبت بالشاب إلى فندق وفي نيتها أن تمنحه النقود اللازمة ليفر من هذه المدينة الملعونة، دون أن يخطر ببالها - ولو للحظة - أنها على وشك التورط - دون إرادة منها - في علاقة شائنة معه.. الذي حدث كان لا يصدق؛ دفعها فجأة في خشونة إلى داخل الغرفة.. في شبه غيبوبة حاولت أن تخلص يدها من قبضته، ولكن المفاجأة شلتها تماما، وتخلت إرادتها عنها.. كان يريدها بقدر ما يهاب الموت، وفي لحظة بين الحقيقة والحلم، والواقع والخيال وجدت نفسها بين ذراعيه، لا تذكر ما حدث بدقة، ولكنها وجدت نفسها في صراع مع إنسان يقاتل من أجل حياته، كغريق يتشبث بقشة، ولحظها العاثر كانت هي هذه القشة.
في الصباح استردت ذاكرتها، واستولى عليها الذعر حينما وجدت بجوارها رجلا غريبا.. بسرعة ارتدت ثيابها لتلوذ بالفرار، لكنه فتح عينيه في اللحظة الأخيرة، وبدا عليه كل مشاعر الخجل والامتنان.. وارتسمت على وجهه وداعة كتلك التي تجدها على وجوه الأطفال.
استنجدت بشجاعتها لتقوم بدورها حتى النهاية، وتجنب كلاهما الحديث عما جرى الليلة الماضية.. قالت في حزم وهي تمضي: "سنلتقي أمام باب الكازينو بعد الظهر، وهناك نعد العدة لرحيلك".
خرجت من الفندق وقد بدا لها أن ماء المطر طهر الشوارع وطهرها أيضا، كانت الحياة بلا قيمة، والآن وجدت هدفا لحياتها.. أن تنتزع شابا من مخالب الموت، بعد أن كانا أشبه بحجرين تقاذفتهما السيول فجمعتهما في بالوعة واحدة.. حينما التقته بعد الظهر قرأت في عينيه عرفانا وخجلا مكبوتا.. وبسرعة عرفت حكايته.. شاب بولندي ينتمي لعائلة عريقة ويتلقى دروسه في فيينا.. منذ شهر حالفه التوفيق في الامتحان، وعلى سبيل المكافأة أرسل له والده مبلغا ماليا قامر به في مونت كارلو، ولحظه العاثر ربح ضعفي مبلغه الأصلي.. هذه كانت بداية الدمار الذي زلزل حياته.. أصبح القمار شغله الشاغل، حتى تورط في ديون كبيرة، وسرق حلي زوجة عمه، وقامر بها فخسرها، ثم باع الفائض من ثيابه، ورهن أيقونة أهدتها له أمه قبل موتها، بعدها ذهب بالخمسين الفرانك ليجازف بها وبحياته.
هالها أن إنسانا كريم الأصل يصبح عبدا لنزوة مجنونة.. أمرته أن يغادر هذه المدينة الملعونة حيث الإغراء على أشده، ثم منحته مالا يغطي ديونه كلها مقابل أن يقسم في الكنيسة أنه لن يمس أوراق اللعب بعد ذلك أبدا.. راحت تراقبه وهو يصلي مبتهلا ومرتجفا.. كانت الألفاظ تتدفق من فمه باللغة البولندية في حرارة وضراعة، وأخيرا اقترب منها، وأحنى قامته على الطريقة البولندية، وتناول كلتا يديها وقبلهما باحترام شديد.. غادرا الكنيسة والدنيا في نظرهما كأجمل ما تكون.. وعند الخامسة عصرا افترقا على أن يكون لقاؤهما القادم بعد ساعتين على رصيف المحطة.
طعنة قاتلة
لكنها حينما ذهبت إلى غرفتها لم تدر ماذا حدث!! لم تعرف حقيقة عواطفها نحوه إلا بعد انصرافه.. لماذا أحست وكأنها أصيبت بطعنة قاتلة؟! ولماذا أصابها احترامه الشديد لها بجرح لكبريائها؟! لم يحاول الاحتفاظ بها وخضع لإرادتها حينما أمرته بالعودة، ولو أحاطها بساعده لذهبت معه إلى آخر الأرض، ولما حفلت بما يقوله عنها الناس.. لكنه لم يشعر بها قط كامرأة.
وفجأة وجدت نفسها تحزم حقائبها في سباق محموم مع الزمن.. سوف ترحل معه، وستفعل كل شيء من أجل البقاء بجواره.. وحينما وصلت إلى المحطة كان القطار يتحرك أمام عينيها، وهي ترتجف من قمة رأسها إلى أخمص قدميها.. فلم تشعر في حياتها بمثل هذا الذهول والعجز.. ولم يعد أمامها سوى أن تعود بالخذلان، وتفقد الأماكن القديمة التي ذهبا إليها سويا في لحظات سعادة فرت للأبد.. هذا الشيء الذي نسميه "الذكريات".
الصدمة
في الكازينو كانت المفاجأة المذهلة.. رأته جالسا على المائدة الملعونة يقامر بنقودها، بنفس اليد التي كانت ترتجف في الكنيسة، كان هذا فوق احتمالها.. حينما انتبه إلى وجودها نظر إليها بعينين تائهتين كعيني السكير.. مرارا حاولت أن تجذبه بعيدا عن مائدة القمار، ومرارا يعدها أنها المرة الأخيرة، وأخيرا فرغ صبره واكفهر وجهه بغضب غير متوقع ودفعها قائلا: "دعيني وشأني، أنت تجلبين لي النحس كلما رأيتك، لقد أفسدت حظي أمس، وستفسدينه اليوم فاغربي عن وجهي".
وكأن ثيابها قد سقطت فجأة أمام مئات العيون الساخرة.. كان ذلك أكثر مما تحتمل؛ لذلك اتجهت إلى الفرار فورا.. عادت إلى المحطة، ورحلت مع أول قطار مغادر، دون أن تدري إلى أين، المهم أن تبتعد عن هذا الجحيم.
فيما بعد ستعرف أن هذا الشاب المفتون انتحر بإطلاق رصاصة على رأسه في نفس هذا الكازينو.. لكنها الآن في حاجة إلى كثير من الوقت لتتغلب على الصدمة، ولتصالح ذاتها، وتقنع نفسها أن حماقة ليلة واحدة لا ينبغي أن تفسد حياتها للأبد، لذلك كان سؤالها لـ"إستيفان زوفايج" في لحظة صدق موحية: "هل تعتقد أن 24 ساعة تكفي لتغير حياة امرأة بالكامل؟"
إجابتي أنا: "إنه سؤال متفائل أكثر من اللازم.. 24 ساعة مدة طويلة جدا!! يكفي لتغيير حياتنا إلى الأبد مجرد لحظة واحدة
أسوأ مخاوفك يمكن أن تحدث في لحظة.. طفل يلهو في الشارع فتدهمه سيارة.. شاب نشأ على طاعة الله فقد توازنه مع امرأة متساهلة.. زلزال ضرب مدينة كاملة فأزالها من الوجود.. بناية تنهار على رءوس من تصادف مرورهم تحتها.
أشياء كثيرة يمكن أن تحدث بسبب لحظة واحدة، ولكن دعونا نعود للقصة!!
للأيدي وجوه كثيرة
في رواية "24 ساعة في حياة امرأة" حكت السيدة قصتها بالكامل.. كانت تنشد في اعترافها ما يبدد شقاء 20 سنة لتنال الغفران الذي تنشده.
يداه هي أول ما جعلها تهتم به، هكذا تحكي السيدة الوقور، في ذلك اليوم منذ أكثر من عشرين عاما كانت في كازينو مونت كارلو تتسلى بمراقبة المقامرين.. تذكر أن زوجها الراحل قال لها: "إن الأيدي أفصح في التعبير عن مكنونات النفس من قسمات الوجوه، فأكثر المغامرين يتعلمون التحكم في ملامحهم، ويحرصون على ألا تتألق عيونهم ببريق الانفعال.. لكنهم ينسون التحكم في أيديهم".
من ذلك الحين تعلمت أن للأيدي وجوها كثيرة.. بعضها شاحب وبعضها كالمخلب.. بعضها متراخ وبعضها مرتجف.. بعضها رطب ككلاب البحر وبعضها متوتر كجياد السباق، لكنها - على طول ما درست من الأيدي - لم تشاهد يدين تنطويان على حساسية وقوة تعبير كهاتين اليدين.. كل عضلة فيهما أشبه بفم يتكلم، كسمكتين ميتتين لفظهما البحر إلى الشاطئ.. كحيوانين سقطا برصاصة واحدة.
حتى هذه اللحظة لم تكن قد شاهدت وجهه، كان يحمل طابع الرقة والحساسية المفرطة لشاب يناهز 24، لولا جشع حيواني يشوه الوجه الجميل.. لمدة ساعة ظلت تراقبه كما لو كان نوّمها مغناطيسيا.. كل مراحل الخسارة والربح والقلق والأمل كانت تنعكس فورا على وجهه ويديه، حتى جاءت اللحظة الرهيبة، واندفعت يداه المتشنجتان إلى الأمام، ثم سقطتا على المائدة سقوط جسم فقد الحياة، فأدركت - فيما يشبه اليقين - أن هذا الشاب قامر بآخر ما يملك، بحياته ذاتها، وأنه في سبيله للانتحار كمنكوب آخر من ضحايا المائدة الخضراء.
كالمسحورة تابعته وهو يترنح، راقبته وهو ينهار على مقعد في الحديقة كجثة خالية من الحياة.. وحتى حينما أمطرت السماء وكأنها قرب مفتوحة الأفواه لم يتحرك من مقعده.. كان يتنازعها عامل النجدة الذي يحفزها إلى المساعدة، وعامل الحياء الغريزي الذي يقعدها عن التحدث إلى شاب غريب.. لكنها حسمت ترددها وجرته من يده، وهو ينظر إليها في بطء وغباء.
المدينة الملعونة
أسعدها أنها وجدت لحياتها هدفا.. منذ وفاة زوجها فجأة بعد مرض قصير صارت وحيدة تماما، تتنقل من مدينة لمدينة وكأنها في فرار متواصل، حتى انتهى بها المطاف إلى مونت كارلو.. ذهبت بالشاب إلى فندق وفي نيتها أن تمنحه النقود اللازمة ليفر من هذه المدينة الملعونة، دون أن يخطر ببالها - ولو للحظة - أنها على وشك التورط - دون إرادة منها - في علاقة شائنة معه.. الذي حدث كان لا يصدق؛ دفعها فجأة في خشونة إلى داخل الغرفة.. في شبه غيبوبة حاولت أن تخلص يدها من قبضته، ولكن المفاجأة شلتها تماما، وتخلت إرادتها عنها.. كان يريدها بقدر ما يهاب الموت، وفي لحظة بين الحقيقة والحلم، والواقع والخيال وجدت نفسها بين ذراعيه، لا تذكر ما حدث بدقة، ولكنها وجدت نفسها في صراع مع إنسان يقاتل من أجل حياته، كغريق يتشبث بقشة، ولحظها العاثر كانت هي هذه القشة.
في الصباح استردت ذاكرتها، واستولى عليها الذعر حينما وجدت بجوارها رجلا غريبا.. بسرعة ارتدت ثيابها لتلوذ بالفرار، لكنه فتح عينيه في اللحظة الأخيرة، وبدا عليه كل مشاعر الخجل والامتنان.. وارتسمت على وجهه وداعة كتلك التي تجدها على وجوه الأطفال.
استنجدت بشجاعتها لتقوم بدورها حتى النهاية، وتجنب كلاهما الحديث عما جرى الليلة الماضية.. قالت في حزم وهي تمضي: "سنلتقي أمام باب الكازينو بعد الظهر، وهناك نعد العدة لرحيلك".
خرجت من الفندق وقد بدا لها أن ماء المطر طهر الشوارع وطهرها أيضا، كانت الحياة بلا قيمة، والآن وجدت هدفا لحياتها.. أن تنتزع شابا من مخالب الموت، بعد أن كانا أشبه بحجرين تقاذفتهما السيول فجمعتهما في بالوعة واحدة.. حينما التقته بعد الظهر قرأت في عينيه عرفانا وخجلا مكبوتا.. وبسرعة عرفت حكايته.. شاب بولندي ينتمي لعائلة عريقة ويتلقى دروسه في فيينا.. منذ شهر حالفه التوفيق في الامتحان، وعلى سبيل المكافأة أرسل له والده مبلغا ماليا قامر به في مونت كارلو، ولحظه العاثر ربح ضعفي مبلغه الأصلي.. هذه كانت بداية الدمار الذي زلزل حياته.. أصبح القمار شغله الشاغل، حتى تورط في ديون كبيرة، وسرق حلي زوجة عمه، وقامر بها فخسرها، ثم باع الفائض من ثيابه، ورهن أيقونة أهدتها له أمه قبل موتها، بعدها ذهب بالخمسين الفرانك ليجازف بها وبحياته.
هالها أن إنسانا كريم الأصل يصبح عبدا لنزوة مجنونة.. أمرته أن يغادر هذه المدينة الملعونة حيث الإغراء على أشده، ثم منحته مالا يغطي ديونه كلها مقابل أن يقسم في الكنيسة أنه لن يمس أوراق اللعب بعد ذلك أبدا.. راحت تراقبه وهو يصلي مبتهلا ومرتجفا.. كانت الألفاظ تتدفق من فمه باللغة البولندية في حرارة وضراعة، وأخيرا اقترب منها، وأحنى قامته على الطريقة البولندية، وتناول كلتا يديها وقبلهما باحترام شديد.. غادرا الكنيسة والدنيا في نظرهما كأجمل ما تكون.. وعند الخامسة عصرا افترقا على أن يكون لقاؤهما القادم بعد ساعتين على رصيف المحطة.
طعنة قاتلة
لكنها حينما ذهبت إلى غرفتها لم تدر ماذا حدث!! لم تعرف حقيقة عواطفها نحوه إلا بعد انصرافه.. لماذا أحست وكأنها أصيبت بطعنة قاتلة؟! ولماذا أصابها احترامه الشديد لها بجرح لكبريائها؟! لم يحاول الاحتفاظ بها وخضع لإرادتها حينما أمرته بالعودة، ولو أحاطها بساعده لذهبت معه إلى آخر الأرض، ولما حفلت بما يقوله عنها الناس.. لكنه لم يشعر بها قط كامرأة.
وفجأة وجدت نفسها تحزم حقائبها في سباق محموم مع الزمن.. سوف ترحل معه، وستفعل كل شيء من أجل البقاء بجواره.. وحينما وصلت إلى المحطة كان القطار يتحرك أمام عينيها، وهي ترتجف من قمة رأسها إلى أخمص قدميها.. فلم تشعر في حياتها بمثل هذا الذهول والعجز.. ولم يعد أمامها سوى أن تعود بالخذلان، وتفقد الأماكن القديمة التي ذهبا إليها سويا في لحظات سعادة فرت للأبد.. هذا الشيء الذي نسميه "الذكريات".
الصدمة
في الكازينو كانت المفاجأة المذهلة.. رأته جالسا على المائدة الملعونة يقامر بنقودها، بنفس اليد التي كانت ترتجف في الكنيسة، كان هذا فوق احتمالها.. حينما انتبه إلى وجودها نظر إليها بعينين تائهتين كعيني السكير.. مرارا حاولت أن تجذبه بعيدا عن مائدة القمار، ومرارا يعدها أنها المرة الأخيرة، وأخيرا فرغ صبره واكفهر وجهه بغضب غير متوقع ودفعها قائلا: "دعيني وشأني، أنت تجلبين لي النحس كلما رأيتك، لقد أفسدت حظي أمس، وستفسدينه اليوم فاغربي عن وجهي".
وكأن ثيابها قد سقطت فجأة أمام مئات العيون الساخرة.. كان ذلك أكثر مما تحتمل؛ لذلك اتجهت إلى الفرار فورا.. عادت إلى المحطة، ورحلت مع أول قطار مغادر، دون أن تدري إلى أين، المهم أن تبتعد عن هذا الجحيم.
فيما بعد ستعرف أن هذا الشاب المفتون انتحر بإطلاق رصاصة على رأسه في نفس هذا الكازينو.. لكنها الآن في حاجة إلى كثير من الوقت لتتغلب على الصدمة، ولتصالح ذاتها، وتقنع نفسها أن حماقة ليلة واحدة لا ينبغي أن تفسد حياتها للأبد، لذلك كان سؤالها لـ"إستيفان زوفايج" في لحظة صدق موحية: "هل تعتقد أن 24 ساعة تكفي لتغير حياة امرأة بالكامل؟"
إجابتي أنا: "إنه سؤال متفائل أكثر من اللازم.. 24 ساعة مدة طويلة جدا!! يكفي لتغيير حياتنا إلى الأبد مجرد لحظة واحدة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق